جزيرة الشيطان.. حقيقة وثائق إيبستين بين "الميثولوجيا" والمؤامرة

الجمعة، 06 فبراير 2026 10:07 م
جزيرة الشيطان.. حقيقة وثائق إيبستين بين "الميثولوجيا" والمؤامرة
عنتر عبداللطيف يكتب:

وثائق جيفري إيبستين قد يغرق تفسير ما تضمنته من فضائح يشيب لهولها الولدان عبر منظور الميثولوجيا "Mythology" لينجر العالم في دوامة من الضلالات وسرديات لا تنتهي خصوصا حين يستدعى ما يعرف بـ "التفسير التآمري" للحوادث العالمية الصادمة.
 
 الخطر الحقيقي لا يكمن في فداحة هذه الجرائم وحدها بل في الانجرار إلى تأويلات أسطورية تخرج الوقائع من سياقها الواقعي وتحو ل أفعال مجموعة من المجرمين والمرضى النفسيين إلى "سردية كونية" خارجة عن المنطق. إذ أن إشكالية "صناعة الوعي" في الأزمات قد تجرنا إلى فخ "الميتافيزيقيا" وهو الفخ الذي نقع فيه عندما نعجز عن تفسير الشر البشري بآليات مادية وعقلانية.
 
 وثائق إيبستين لا شك أنها كانت صادمة وأن ما كشف عنه مما جرى في جزيرة " الشيطان" سيظل كامنا في الوعي الجمعي العالمي لسنوات طويلة. خاصة من قيل أنه جرى التقرب في الجزيرة لـ "بعل" كشيطان من خلال طقوس غريبة واغتصاب قاصرات وتقديم بعضهن قرابين بشرية للتقرب له.
 
إن ما جرى  في جزيرة الشيطان وفي أحد تفسيراته المنطقية  قد يندرج ضمن ممارسات معروفة في عالم الاستخبارات والجريمة المنظمة مثل تجنيد الأفراد ووضعهم تحت ما يعرف أمنيا بـ "السيطرة" أو الكنترول. وهو مصطلح قديم استخدم  ولا يزال بوسائل مختلفة من قبل أجهزة مخابرات أو جماعات ضغط  أو عصابات إجرامية دون حاجة إلى استدعاء تفسيرات "ميتافيزيقية".
 
الصدمة الكبرى جاءت من انتشار مشاهد وفيديوهات تتعلق بالاعتداء على القاصرات والأطفال وممارسات التعذيب والسادية وتورط شخصيات نافذة ومشاهير عالميين. 
 
وهنا يبدأ العقل الجمعي و تحت وطأة الرعب في البحث عن تفسير غير منطقي مثل "الميثولوجيا" أو علم "الأسطرة" والتي بوصفها علما إنسانيا لكنها لا تستخدم لتفسير الجرائم الحديثة لتتكاثر الروايات دون أدلة حاسمة وتضيع الحقيقة بين التأويلات ما قد يغلق ملف هذه الجرائم بدلا من كشفه.
 
"الميثولوجيا" يدرس الأساطير القديمة في سياقات ثقافية ودينية واجتماعية إذ يسرد كيف فسرت الشعوب الأولى الكون والحياة والموت؟ فمثلا في الميثولوجيا المصرية القديمة دارت قصص حول دورة الحياة والبعث "إيزيس وأوزيريس" وفي الإغريقية، عن آلهة الأوليمب وصراعاتها وفي بلاد الرافدين، عن ملاحم الوجود الأولى مثل "جلجامش".
 
إسقاط "الميثولوجيا" على جرائم معاصرة قد يكون توظيفا متعمدا لإنتاج  ثقافة الخوف وتحويل ملف جنائي إلى أسطورة مرعبة عبر سرديات عن عبادة الشيطان أو التمهيد لنهاية العالم، أو "الحكم الألفي"، وهي أفكار شائعة في أدبيات المؤامرة والهيمنة الاقتصادية العالمية.
 
 إعادة تسريب وثائق إيبستين في هذا التوقيت  يراها البعض تحمل أبعادا سياسية وتستخدم كورقة ضغط في صراعات دولية كبرى. 
 
الطرح  السابق رغم تداوله يظل افتراضا بلا أدلة قاطعة ومنطقية ويقع هو الآخر فيما يسمى بالفخ التفسير التآمرى.
 
في المقابل يقدم المنهج العلمي تفسيرا أكثر اتساقا يقوم على علم النفس إذ يرى أن بعض أصحاب النفوذ بعد الإدمان الطويل على اللذة والسلطة يدخلون في دائرة تصاعدية من الانحراف بحثا عن "سقف أعلى" للإشباع الجسدى الغرائزى نتيجة اختلالات مرتبطة بنظام الدوبامين في الدماغ وهو ما قد يفسر الانجراف نحو ممارسات سادية متطرفة دون الحاجة إلى تفسيرات غيبية.
 
ولا تقتصر السرية والطقوس الغامضة على جزيرة إيبستين وحدها إذ كثيرا ما يستشهد بأماكن أخرى مثل "النادي البوهيمي" في الولايات المتحدة والذي أحيط تاريخيا بالغموض ما فتح الباب أمام الخيال ونظريات المؤامرة. لكن الفارق الجوهرى هنا يظل بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير الموثقة.
 
 أخطر ما قد تنتجه فضيحة إيبستين ليس الجرائم وحدها بل تحويلها إلى أسطورة فأسطرة مثل هذه الجرائم تقتل الحقيقة وتربك العدالة وتمنح الجناة عن قصد أو غير قصد  فرصة الإفلات داخل متاهة الخوف والخيال الجمعى العالمى.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق